الشيخ الطوسي
391
التبيان في تفسير القرآن
يشركون ( 54 ) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ) ( 55 ) ثلاث آيات بلا خلاف . يقول الله تعالى لخلقه إن جميع النعم التي تكون بكم ولكم ، من صحة في جسم وسعة في رزق أو ولد ، فكل ذلك من عند الله ، ومن جهته وبخلقه لها وبتمكينكم من الانتفاع بها . والفاء في قوله " فمن الله " قيل في معناه قولان : أحدهما - أن تكون ( ما ) بمعنى الذي ، وفيه شبه الجزاء ، كما قال تعالى " قل ان الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " ( 1 ) ويقول القائل : مالك هو لي ولا يجوز ان يقول مالك فهو لي ، لأنه خبر ليس على طريق الجزاء . والقول الثاني على حذف الجزاء ، وتقديره ما يكن بكم من نعمة فمن الله . وقوله " ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " معناه متى ما لحقكم ضر وبلاء ، وألم ، وسوء حال ، تضرعون إليه تعالى بالدعاء ، وهو قول مجاهد . وأصل ذلك من جؤار الثور ، يقال : جأر الثور يجأر جؤارا إذا رفع صوته ، من جوع أو غيره قال الأعشى : وما أيبلي على هيكل * بناه وصلب فيه وصارا يراوح من صلوات المليك * طورا سجودا وطورا جؤارا ( 2 ) وقال عدي بن زيد : انني والله فاقبل حلفتي * بابيل كلما صلى جأر ( 3 ) وقوله " ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون " اخبار منه تعالى انه إذا كشف ضر من يجأر إليه ويخضع له ، ويرفع البلاء عنه ، يصير - طائفة من الناس - يشركون بربهم في العبادة جهلا منهم بربهم ، ومقابلة للنعمة التي
--> ( 1 ) سورة الجمعة آية 8 ( 2 ) ديوانه ( دار بيروت ) 84 واللسان ( أبل ) ذكر البيت الأول فقط ( 3 ) اللسان ( إبل ) وروايته ( فاسمع حلفي ) .